فخر الدين الرازي

249

المطالب العالية من العلم الإلهي

أن مذهبنا أقوى بسبب حرف واحد ، وهو أنا [ إن « 1 » ] قدحنا في قول : « الممكن لا بد له من سبب » انسد علينا باب إثبات الصانع ، وإن سلمنا بهذه المقدمة لزمنا القول بأن العبد غير مستقل بالإيجاد . فلما كان دليل قولنا في هذه المسألة ، ودليل إثبات الصانع : دليلا واحدا ، لا جرم كان جانبنا أقوى وأكمل . ولنذكر الآن طرفا من الحكايات المذكورة في هذه المسألة : الحكاية الأولى : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، وقال : أنا أملك الخير والشر ، والطاعة والمعصية . فقال علي بن أبي طالب : تملكها مع اللّه أو تملكها بدون اللّه ؟ فإن قلت : أملكها مع اللّه « 2 » فقد ادعيت أنك شريك اللّه ، وإن قلت : أملكها بدون اللّه ، فقد ادعيت أنك أنت اللّه . فتاب الرجل على يده . الحكاية الثانية : جاء رجل آخر إلى علي بن أبي طالب ، وسأل عن القضاء والقدر . فقال : « بحر عميق . لا يدرك غوره » فأعاد السائل السؤال . فقال : « طريق مظلم ، لا نسلكه » فأعاد السؤال . فقال [ علي « 3 » ] : « لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » تعرف معناها ؟ قال : لا . فما « 4 » معناها ؟ قال : « لا حول عن معصية اللّه ، إلا بعصمة اللّه . ولا قوة على طاعة اللّه ، إلا بتوفيق اللّه » وهذا إشارة إلى ما ذكرناه ، من أن القادر متساوي القدرة بالنسبة إلى الطاعة والمعصية . فلا يترجح أحد الجانبين على الآخر ، إلا لمرجح من قبل اللّه . الحكاية الثالثة : ورد الشام معتزلي . فكتب هشام بن عبد الملك إلى أبي

--> ( 1 ) زيادة . ( 2 ) يقول المسيح عليه السلام : « لو لم يخطئ الإنسان ، لما علمت أنا ولا أنت رحمة اللّه وبره . ولو خلق اللّه الإنسان غير قادر على الخطيئة ، لكان ندا للّه في ذلك الأمر . ولذلك خلق اللّه المبارك : الإنسان صالحا وبارا ، ولكنه حر أن يفعل ما يريد من حيث حياته وخلاصة لنفسه ، أو لعنته » [ برنابا 154 : 23 - 25 ] . ( 3 ) من ( م ، ل ) . ( 4 ) فإيش معناها [ الأصل ]